الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
145
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثم عطف قُرْآنَ الْفَجْرِ على الصَّلاةَ . والتقدير : وأقم قرآن الفجر ، أي الصلاة به . كذا قدر القراء وجمهور المفسرين ليعلم أن لكل صلاة من تلك الصلوات قرآنا كقوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمّل : 20 ] ، أي صلّوا به نافلة الليل . وخص ذكر ذلك بصلاة الفجر دون غيرها لأنها يجهر بالقرآن في جميع ركوعها ، ولأن سنتها أن يقرأ بسور من طوال المفصل فاستماع القرآن للمأمومين أكثر فيها وقراءته للإمام والفذ أكثر أيضا . ويجوز أن يكون عطف وَقُرْآنَ الْفَجْرِ عطف جملة والكلام على الإغراء ، والتقدير : والزم قرآن الفجر ، قاله الزجاج . فيعلم أن قراءة القرآن في كل صلاة حتم . وهذا مجمل في كيفية الصلوات . ومقادير ما تشتمل عليه من القرآن بينته السنّة المتواترة والعرف في معرفة أوقات النهار والليل . وجملة إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً استئناف بياني لوجه تخصيص صلاة الصبح باسم القرآن بأن صلاة الفجر مشهودة ، أي محضورة . وفسّر ذلك بأنها تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار ، كما ورد في الحديث : « وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح » . وذلك زيادة في فضلها وبركتها . وأيضا فهي يحضرها أكثر المصلين لأن وقتها وقت النشاط وبعدها ينتظر الناس طلوع الشمس ليخرجوا إلى أعمالهم فيكثر سماع القرآن حينئذ . [ 79 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 79 ] وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ( 79 ) عطف على وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [ الإسراء : 78 ] فإنه في تقدير جملة لكونه معمولا لفعل أَقِمِ [ الإسراء : 78 ] . وقدم المجرور المتعلق ب « تهجّد » على متعلقه اهتماما به وتحريضا عليه . وبتقديمه اكتسب معنى الشرط والجزاء فجعل متعلقه بمنزلة الجزاء فأدخلت عليه فاء الجزاء . وهذا مستعمل في الظروف والمجرورات المتقدمة على متعلقاتها ، وهو استعمال فصيح . ومنه قوله تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ المطففين : 26 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ففيهما فجاهد » ، وتقدم عند قوله تعالى : فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ في سورة براءة [ 7 ] . وجعل الزجاج والزمخشري قوله : وَمِنَ اللَّيْلِ في معنى الإغراء بناء على أن نصب